vendredi 26 novembre 2010

الدرّ ومعدنه: كتاب جديد حول تاريخ العلاقة بين النقابي والسياسي في تونس

أصدر الأستاذ عدنان المنصر (أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة) خلال هذا الشهر (نوفمبر 2010) كتابا جديدا بعنوان " الدرّ ومعدنه : الخلافات بين الحزب الدستوري والحركة النقابية في تونس 1924 ـ 1978 ـ جدلية التجانس والصراع" . وتضمن الكتاب في 174 صفحة ثلاثة فصول إلى جانب ملحق يشمل شهادتين مسجلتين في أكتوبر 2010 مع الأستاذ أحمد بن صالح حول تجربته في قيادة الاتحاد والمجلس القومي التأسيسي ومع الأستاذ محمد الصياح حول طبيعة العلاقة بين الحزب والاتحاد.
الفصل الأول من الكتاب تمحور حول "التأسيس النقابي وقضية الاستقلالية عن العمل الحزبي" وأبرز تردد الدستوريين (الحزب الدستوري القديم) في معاضدة التجربة النقابية الأولى ثم تلقفهم (الحزب الدستوري الجديد) للمبادرة النقابية الثانية فنشأة الاتحاد العام التونسي للشغل كأكبر " المنظمات القومية" في تونس الأربعينات وإشكالية النضال الاجتماعي في بيئة استعمارية ثم عند بناء دولة الاستقلال، أما الفصل الثاني (من محاولة الاحتواء إلى الصدام) فقد ركز على تخلي الدستوريين عن النقايين وجامعة محمد علي الحامي (1924/1925 ) ثم تخلي النقابيين (جامعة القناوي 1937 ـ 1938) عن الدستوريين الذين ردوا الفعل بالاستيلاء عليها ثم زوال المنظمة وصولا إلى التحول الذي حدث مع الاستقلال وإمساك الحزب الحر الدستوري بالسلطة وانتقال علاقته مع الحركة النقابية من التحالف إلى الهيمنة. و تم التأكيد في الفصل الثالث المتعلق بموقع البرامج من الصراعات الحزبية النقابية على أهمية البرنامج الاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1956 الذي أثبت قدرة الاتحاد على صياغة بدائل اقتصادية واجتماعية وهو ما افتقدته الحركة النقابية خلال أزمة 1977 /1978 رغم عمقها الشعبي والتفاف القاعدة بالقيادة . وفي هذا السياق اعتبر الكاتب أن أكبر الفوارق بين أزمة 1956 و أزمة 1978 تكمن في انعدام أي بعد جماهيري للأزمة الأولى (إقالة أحمد بن صالح في ديسمبر 1956) واتسام الثانية بجماهيرية ومواجهة دموية (26 جانفي) غير مسبوقة حيث طرح الخطاب النقابي في سنة 1978 قضية استقلالية المنظمة النقابية عن الحزب بأكثر حدة.
ولئن طرح الكتاب أسئلة وإشكاليات هامة عديدة فإن دراسة إشكالية استقلالية المنظمة النقابية تمثل عنصرا مركزيا في هذا البحث مع التأكيد على أن الاختلاف في فهم الاستقلالية النقابية ليس مجرد اختلاف نظري و اعتبار أسبقية السياسي على النقابي في التجربة التونسية وقدوم معظم عمليات التأسيس النقابي الوطني من الفضاء الحزبي ذاته.
ومن أهم الاستنتاجات التي يخرج بها الكاتب في هذه الدراسة التأليفية أن العلاقة بين النضال السياسي والنضال الاجتماعي في وضعية استعمارية لا ينبغي أن تحلل دائما من منطلق تبعية النقابي للسياسي ومعاضدته له، بل من منطلق تداخل التأثيرات وتبادلها بين حقلين متكاملين في مسار الانعتاق الوطني. وفي هذه النقطة وغيرها من النقاط المثيرة للجدل والمناقشة لم يخل الكتاب في نظرنا من جانب تنظيري (تعميمي) مثل قوله "إن الخطاب الاشتراكي ولاحقا الشيوعي كان يقلل من أهمية الاعتبارات الوطنية والملية ويجعل منها إحدى مشتقات الشوفينية والعنصرية، في حين كان الوطنيون على اختلاف نحلهم يعتبرون ذلك مجرد تغطية ايديولوجية على واقع استعماري متسم بالقهر والتفوق يستفيد منه اليمين كما اليسار الفرنسيان. ولا يتعلق الأمر إزاء هذه القضية بتونس دون غيرها بل إننا نجدها تطرح في كل علاقة بين اليسار الاستعماري والوطنيين بعد مرحلة التعاطف الأولى التي تمر بها هذه العلاقة...".
كما بيّن الكتاب أنه منذ 1956 بالخصوص استعمل الحزب الدستوري سلاح الاتهام بانعدام الوطنية لدى مخالفيه لإزاحتهم من طريقه كلما شكلوا خطرا على توجهاته سواء كانوا من النقابين أو من السياسيين. و أوضح كيف أن اللجوء إلى تأسيس منظمات موازية سيكون عنصرا قارا في السياسة الرسمية تجاه المركزية النقابية كلما أعيت الحكومة الحيلة لإخضاعها بالصورة التي تريدها. كما اعتبر أن المركزية النقابية (بعد الاستقلال) كانت خاسرة بمشاركة عناصر منها في الحكومة الجديدة لأنها كانت مشاركة أفراد لم يحملوا البدائل الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد إلى الحكومة الجديدة كما أنها مشاركة استنزفت الاتجاد من عناصر قيادية هامة. أما البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي قدمه الاتحاد في مؤتمره المنعقد في شهر سبتمبر 1956 فقد اعتبره عدنان المنصر المبادرة الجدية الوحيدة لتصور المجتمع التونسي بعد الاستقلال مشيرا إلى أن ذلك لم يكن مقبولا من الزعيم بورقيبة ومن قيادات الحزب و حتى من بعض "القادة التاريخيين" للاتحاد (التليلي وعاشور) الذين كانوا ينظرون بعين الحذر لأحمد بن صالح ولأفكاره الاشتراكية.
وقد كان السؤال الأخير في الحوصلة الختامية للكتاب لا يقل أهمية عما تم طرحه من إشكاليات وهو: هل كان بإمكان الاتحاد التطور إلى حزب عمالي مثلما ألمح لذلك بعض النقابيين منذ 1956؟ ولكن الإجابة المختصرة التي قدمها الكاتب حول العوائق التي حالت في رأيه دون تحقيق ذلك تتطلب في اعتقادنا تحليلا أوسع ربما يتجاوز نطاق البحث.
وعموما يبدو لنا هذا الكتاب مختلفا عن أعمال سابقة للمؤلف مثل كتابه "استراتيجيا الهيمنة: الحماية الفرنسية ومؤسسات الدولة التونسية" ولا سيما من حيث تنوع المراجع وثراء المصادر (التي يطغى عليها الجانب الصحفي)، وربما يعود ذلك كما أشار الكاتب نفسه إلى أنه موجه أكثر إلى الجمهور الأوسع من المتلقي الأكاديمي، معترفا في الآن نفسه بصعوبة تتبع واستقراء العلاقة المعقدة بين الحركة النقابية والحزب الدستوري في تونس بالرغم من حرصه على مراجعة أكثر التزاما بالمنهج العلمي للصيغة الأولى للعمل وهو بحث قديم في إطار الأستاذية تحت إشراف الأستاذ علي نور الدين بدار المعلمين العليا بسوسة في أواخر العهد البورقيبي وقد اقتبس عدنان المنصر عنوان كتابه من الوزير الأول آنذاك (محمد مزالي) الذي صرح بعد سيطرة "الشرفاء" سنة 1985 على الاتحاد ومقراته بعبارة " عاد الدرّ (أي الاتحاد) إلى معدنه (أي الحزب الدستوري)" وقد طغى على تلك الصيغة وفق التقييم الذاتي للمؤلف التسرع وإطلاق الأحكام والوقوع في أخطاء فادحة ولكننا لاحظنا بدورنا تسرعا من نوع آخر وإن كان شكليا هذه المرة رافق إصدار هذه الطبعة الأولى من الكتاب على نفقته الخاصة وهو تسرب بعض الأخطاء المطبعية التي طالت أحيانا تواريخ هامة مثل مؤتمر الحزب الدستوري بصفاقس في نوفمبر 1955 وليس أكتوبر كما تكرر في الكتاب. وهذا ما نأمل أن يقع تفاديه ومراجعته في الطبعات القادمة التي يستحقها هذا الكتاب الهام الذي يمثل بالتأكيد إضافة نوعية إلى المكتبة التونسية السياسية والنقابية والتاريخية.

عادل القادري ـ جريدة الوحدة

بتاريخ السبت 27 نوفمبر 2010

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire